الوصف

سنين نامان، العدد 31

مرحبًا بكم في العدد 31 من سنين نامان!
بعد أن أتممت الرحلة الأولى، وأعطيت ذاتي حقها من العزلة والمواجهة، حان الوقت لأرجّح الكفّة الأخرى، وأتجه إلى درس جديد في بقعة نائية قرب مدينة تُدعى إيدا، تبعد ساعة بالسيارة عن أقرب محطة قطار. شقّت بنا السيارة طريقًا متعرجًا صعودًا بين الجبال، حتى ظهر من بعيد منزل ياباني عتيق يستريح على طرف تل مرتفع. هناك، استقبلتني عائلة يابانية دافئة؛ أب وأم وطفلتان.

استقبال العائلة في نُزل غوكورو.
Text Linkالأب الذي يملك النزل لم يكن مجرد مضيف، بل طاهٍ ماهر يحوّل الطعام الياباني التقليدي إلى تجربة متكاملة، حتى يصبح السكن في هذا النزل جزءًا لا يتجزأ من تذوّق طعامه.
بعد الاستقبال وكوب الشاي الدافئ، بدأ الدرس الأول مع «الكامادو»، وهو الفرن الياباني القديم. أردنا طهي الأرز، لكن لم يكن لدينا ما نشعل به النار. ناولتني الأم سلة خشبية وقالت بابتسامة: اتبعيني. رغم أن الغروب بدأ يتسلل، ركضت الطفلتان بحماس وخرجنا جميعًا خلف المنزل. لم أمشِ سوى دقيقة حتى سمعت صوت شلال صغير تحيط به أشجار كثيفة ودرج يكسوه نبات أخضر فاقع. بدأنا بجمع أوراق الشجر الجافة المتناثرة على الأرض، والتي عرفت لاحقًا أنها وقود الكامادو.
جمعنا ما يكفي، أشعلت النار، وغسلت الأرز العضوي المقطوف من المزارع المجاورة ووضعته فوق اللهب. سألتني الأم: كيف نعرف درجة حرارة الكامادو؟ قالت: بالاستماع. صمتنا جميعًا نترقّب صوت الماء داخل القدر. هناك إيقاعات مختلفة للماء تخبرنا متى نرفع حرارة النار ومتى نخفضها. نضج الأرز، واكتملت المائدة بأطباق دافئة: جوهي موتشي، توري نابي، أماجو شيوياكي، وكابوتشا. أكلنا، ثم ذهبت إلى غرفتي لأستريح استعدادًا لرحلة الغد التي طالما انتظرتها.
Text Linkمائدة الصباح
استيقظت في صباح اليوم التالي على رائحة تتسلل إلى غرفتي، فتوجهت إلى طاولة الطعام. هناك قدّم لي الطاهي الإفطار، شارحًا كل مكون وقصته، ثم انصرف وأغلق الباب خلفه ليتركني وحدي مع الطعام. لسنوات طويلة، كان إفطاري روتينيًا، بل إن الأكل في زحام أيام الإكسبو تحوّل إلى مجرد وقود لسد الجوع وتمشية الحال. أما الآن، فالإفطار أصبح تجربة.
أطباق أراها وأتذوقها لأول مرة؛ كنت أتساءل بخفية: ماذا لو لم يعجبني؟ كيف ستكون ردة فعلي؟ لكني قررت أن أعطي هذه التجربة حقها ولا أستهين بها. تركت هاتفي جانبًا، وتخففت من كل المشتتات، وتركت للطعام وقته. كنت أتنقل بين الأطباق، آخذ لقمة من هنا وأخرى من هناك، ولا أبالغ إن قلت إنني تعجبت مرارًا من نقاء النكهات ولذاذتها. لكل طبق شخصية مستقلة؛ تباغتني حلاوة أحيانًا، وأحيانًا حموضة لطيفة. تجولت بينها لقمة تلو الأخرى حتى شبعت روحًا وجسدًا.
.jpg)
مائدة الصباح.
Text Linkورشة النجارة
تجهزت بعدها لرحلتي نحو قمة الجبل، إلى ورشة صغيرة يملكها رجل مسن يُدعى ميزوشيما. رجل عُرف بثلاثة أمور: نجار، موسيقي، وصانع سوبا لا تُنسى. سأرافقه كمتدربة نجارة لأقترب من عالمه. كان يعمل على صنع كرسي وطاولة، فبدأت بتركيب الكرسي بالطريقة اليابانية القديمة التي تعتمد على تداخل الخشب دون مسامير.
استخدمنا «الكانّا» 鉋، وهي أداة يدوية قديمة لنحت الخشب. الكانّا أداة سحب، على عكس الأدوات الأوروبية التي تُدفع بعيدًا عنك لنفس الغرض. سمعت لاحقًا أن في هذا الاختلاف قراءة ثقافية لطريقة التعامل مع الأداة والآخر؛ ففي أوروبا يميل الناس إلى إبعاد الأذى عن أنفسهم، بينما في اليابان يتركز الاهتمام على كفّ الأذى عن الآخر، حتى لو كان على حساب النفس.
.jpg)
أداة الكانّا.
Text Linkعرض علي ميزوشيما مجموعته الخاصة من «الكانّا» التي صنعها بنفسه، وقال جملة استوقفتني: «أجمل ما في الخشب أنك تستطيعين صنع أي شيء به، وأن تصنعي ما يناسبك أنتِ شخصيًا. لا أحد يملك أداة كأداتي، لأنني نحتّها لتلائم يدي أنا». أحيانًا نعتقد أن خياراتنا تقتصر على ما يقدمه لنا الآخرون، أو ما هو معروض أمام أعيننا، فنغفل عما يمكن أن تصنعه أيدينا.
لطالما حملت رغبة في تعلم النجارة خلال الأشهر الماضية، وتوقعت أن تكون هذه التجربة هي الأساس والأكثر صقلًا لشخصيتي. أمسكت بلوح من خشب شجرة الساكورا وبدأت في تشكيله. كان الأمر ممتعًا، لكنه كان شاقًا. التعامل مع الخشب يتطلب قوة وجلدًا. ورغم طبيعتي التي تميل للأعمال اليدوية، إلا أنني حين رأيت يدي ميزوشيما الخشنتين، أدركت أن فكرة صنع أثاث منزلي بيدي تبدو جميلة في الخيال، لكنها قد لا تناسبني في الواقع.
في المقابل، وجدت نفسي أستمتع بتجربة الطبخ في هذه الرحلة أكثر. هنا أدركت أن بعض الرغبات لا نعرف حقيقتها إلا حين نجربها.

يدى النجّار ميزوشيما.
Text Linkالضيوف الثلاثة عشر
بدأ اليوم التالي بطقوس الإفطار ذاتها، ولكن بأطباق جديدة. كان لدينا مهمة مميزة: استضافة 13 ضيفًا للنزل. انخرطت مع العائلة في إعداد الطعام وتجهيز الطاولات بعناية. كان لتقديم الطعام هنا بُعد مختلف؛ فجميع الضيوف من كبار السن، في مكان ناءٍ يهدف إلى تقديم تجربة متكاملة بإخلاص.
Text Link
وصل الضيوف، ساعدناهم، قدمنا لهم الأطباق وشرحنا قصتها، ثم خرجنا وأغلقنا الباب، كما فعل الطاهي معي. من خلف الباب، كنت أسمع تعليقاتهم على الطعام: «هذا لذيذ»، «جرّبه!». كنت أبتسم وأنا أستمع. ثم فتح الباب وودعونا بابتسامات وكلمات شكر. قلت في قلبي: «جعله عافية عليهم». جملة نقولها بعفوية، لكنني أدركت معناها هنا. عملنا وجهدنا تحوّل إلى أثر في أجسادهم. لم يكن الأمر عملًا يُنجز فقط، بل أثرًا يصل إلى الناس.
Text Link
في المساء، وجدت نفسي ألعب مع الطفلتين. كنت أضحك وأركض، وأستمتع بصدق. هناك، انكسرت صورة كنت أحملها عن نفسي. أدركت أن بعض العادات لا تحتاج وقتًا طويلًا لتتغير، بل لحظة صادقة فقط.
Text Link
وداعًا ماغوكورو
ستنتهي هذه الرحلة قريبًا، وخلاصتها أن الإنسان لا يكتشف ما يناسبه حقًا إلا بالتجربة، وأن كفّة الآخر وممارسة العطاء غذاء للروح. فلا خير في صنعة نتعلمها إن لم تصب في مصلحة إنسان آخر.
ودّعت المكان بإفطار أخير، متجهة نحو المحطة الأخيرة في هذا المعسكر، وفي قلبي شوق لطفلتين، ولتجربة كانت تغذي الروح قبل الجسد. وفي محطتي الأخيرة ستتضح الصورة، حين تتوازن كفّتا الذات والآخر.

تخرج دينا من الفصل الثاني من معسكر اليابان متجهة نحو المحطة الأخيرة.
Text Link
ما السؤال الذي تطرحه عليك هذه المرحلة؟
في كل مرحلة من الحياة، هناك نوعان مختلفان من الأسئلة التي تواجهنا. النوع الأول هو الأسئلة المباشرة والملحّة؛ تلك التي تقف أمامنا بوضوح وتطلب قرارًا سريعًا:
أي وظيفة أختار؟
هل أنتقل إلى مدينة أخرى؟
هل أقبل هذا العرض؟
هذه الأسئلة تبدو مهمة لأنها الأعلى صوتًا، ولأنها مرتبطة بالمواعيد، والعمل، وضغط الأيام. لكن هناك نوعًا آخر من الأسئلة، أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا. هي ليست أسئلة عن الخطوة التالية، بل عن الإنسان الذي تتشكّل إليه مع الوقت.
وهذا النوع من الأسئلة لا ينتهي بإجابة واحدة. بل يتعمّق كلما عشنا معه أكثر. وحين نتوقف عن سؤال أنفسنا به، غالبًا لأن الحياة تصبح مزدحمة، ولأن العاجل يطغى على المهم، فنحن لا نفقد السؤال فقط، بل نفقد الخيط الذي يربطنا بما نتشكّل إليه.
فالإنسان ليس نسخة مكتملة ونهائية. كل مرحلة تكشف لنا شيئًا جديدًا من أنفسنا.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم دائمًا:
ماذا يجب أن أفعل الآن؟
بل:
من تطلب مني هذه المرحلة من حياتي أن أكون؟
وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى التوقف، والخروج من الإيقاع المعتاد، حتى نستطيع أن نسمع السؤال الحقيقي الذي تطرحه علينا هذه المرحلة من حياتنا.

نراكم في العدد القادم، بإذن الله.