عنوان الصوت

الوصف

0:00
/
0:00

ما لا تغيّره العزلة

تجربة معيشة في معسكر جبلي، وما يظهر فيها من الإنسجام، القلق، وحدود التغيير.

العدد 27

مسفاة العبريين، عُمان

9 أبريل 2026

12 دقيقة

صوت المسفاة

سنين نامان، العدد 27

4:44
/
1:11

ما لا تغيّره العزلة

تجربة معيشة في معسكر جبلي، وما يظهر فيها من الإنسجام، القلق، وحدود التغيير.

صوت المسفاة

مرحبًا بكم في العدد 27 من سنين نامان!

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه أني بما أنا باك منه محسود

- أبو الطيب المتنبي

هذا الشطر يعكس حقيقة شعور الإنسان عندما يخطئ في تقييم النجاح. أي أنه يقيس نجاحه بما يراه الناس، لا بما يعيشه هو فعليًا من رضى وطمأنينة.

تعقيب:

  • كثير من الناس يغبطون الآخرين على ما يملكونه من شهرة، منصب، أو ثروة، وهم لا يعلمون أن صاحبها قد يكون غير سعيد في حياته الخاصة.
  • النجاح الحقيقي ليس ما يراه الناس، بل ما تطمئن إليه النفس.
  • الرضا والقناعة والسكينة أهم من كل المظاهر الخارجية.
  • الحظوظ والنعيم الظاهر لا تساوي شيئًا إذا سببت شقاء القلب أو أذيت الأسرة.
  • ميزان الفلاح واضح: القناعة بما لديك، الطمأنينة في القلب، وتجنب الطمع أو مقارنة نفسك بالآخرين.
  • دعاء النبي صلى الله عليه وسلم جامع لهذا المعنى: «اللهم اهدني وسددني، والهمني رشدي، وقني شر نفسي»، أي الهداية إلى الرضا والقناعة قبل أن تُفسد الدنيا القلب.
ما لا تغيّره العزلة
خليفة الفضلي

وأنا أعدّ لهذه الرحلة تحديدًا، كنت أخطط بما يهمّ شؤوني من وصول وانتقال وإقامة، دون أن أضع في ذهني حسابًا للآخرين. فمن جهة، فغرض الرحلة هو العزلة والتأمل، ومن ناحية أخرى تعوّدت على التفكير في السفر كونه نشاطًا فرديًا يشمل آخرين غرباء، لا يلزمني نحوهم أي شيء مهم، مثل تعديل جدولي لقضاء وقت إضافي معهم. ولكن تجربتي عند الوصول كانت مختلفة، حيث واجهت استطرادًا اجتماعيًا بلقاء أشخاص ذوي لطفٍ غامر، لا شكّ أنه شغل حيزًا من وقت اليوم الأول، كنت آمل أن أقضيه في ترتيب جدول المعسكر وضبط إيقاع القادم من أيامه، إلا أنه كان هدية جميلة من الحياة التي تعصى على من يروم التحكم بها، وتكافئ من يساير تيار أحداثها، الأقوى من كبريائنا.

في اليوم الثاني بدأت محاولة ضبط الإيقاع، إلا أن الطعام هو الوحيد المنضبط، حيث لم أوفق في ضبط التمارين ولا الحماس للعمل على المشروع، فخرجت للمسير المقرر كرياضة بدنية، إلا أنه أيضًا انحرف بي لتشتت آخر جميل، حيث كان مليئًا بالمناظر الجميلة. إلا أن أجمل ما فيه هو ملاحظة أن كثيرًا من أبواب البيوت القديمة الخضراء كانت حديدية بزخرفات بسيطة تذكرني بطفولتي في الثمانينات.

الأبواب الخضراء في مسفاة العبريين.

Text Link

ذهلتني أبواب مسفاة الخضراء بجمالها، فطفقت أصورها تارة بالكاميرا وتارة بالجوال حين تضيق الدروب القديمة. جمعت عددًا كبيرًا من تلك الأبواب الخضراء، أظنه يكفي لصنع عمل فني. في اليوم التالي استحكمت على ذهني، وشغلته فكرة تصوير الأبواب، فانفلت الهدف من عقاله، وقضيت وقتًا وجهدًا كبيرين، ولكن، وكما يدرك ممارس اليوغا في تأمله أن انفلات العقل وتشتته أمر حتمي، فيسعى إلى ردّه نحو التركيز والسكون بلطف، عدت لغرفتي وأوقفت سيل الأفكار المتدفق، وكتبت كتابةً متأملة فيما حصل، ثم أخذت حصة استرخاء ممتدة تتيح العودة للجدول. هذا الخروج على النص، وعلى الرغم من كونه بالإجمال غير جيد، إلا أنه أظهر لي جانبًا مهمًا في ممارستي الفنية، فيما يبدو بوضوح أنه تغيير ونموّ في ممارسة التصوير الفني، واتساع في الأفق ونطاق اللغة البصرية، مقارنة بنهجي في التصوير قبل عامين.

مسير الفلج بين السواقي والنخيل.

Text Link

بعد مرور بضعة أيام في القرية، أحسست بالتحوّل، وأن إيقاعي الداخلي اتسق مع إيقاع المكان وروح المعسكر، فجاء الالتزام بالبرنامج أسهل، وخفّت حدّة ضباب القلق والمشتتات. ومع نكهة الانسجام المُطلّة، تكوّن لدي إدراك أن فكرة تغيير نمط الحياة عبر معسكر مؤقت هي أمر صعب جدًا، بل مستحيل. تغيير المكان، والابتعاد عن التقنية، وتبني جدول يومي مختلف، يساعد على التغيير، ولكن التغيير الأهم هو في نمط التفكير الراسخ في النفس، التي تعوّدت وتحتاج إلى تربية ومجاهدة طويلة حتى تتعوّد على غيره. أعلم أن ذلك يبدو من البديهيات، ولكني طالما حادثت نفسي بأن التغيير يحتاج قرارًا فقط وبناء خطة تفصيلية، وكأني أصمم برنامج كمبيوتر أو أبرمج آلة وفقًا لمعطيات عقلانية، ليس للانفعال والمزاج والعلاقات دور فيها. اليوم توصلت إلى برنامج مستقرّ لتمارين الاستطالة والقوة، إلا أني أدرك أن الهدف هو تصميم برنامج مناسب، أمّا الالتزام به وحصد فوائده فهذه رحلة مجاهدة.

ما إن تحرّكت عجلة العمل على مشروع الشغف، وتحقّق لي أنه ممكن وواعد، حتى أدركت أن كثيرًا من قلقي كان زائدًا عن الحاجة، وانسحبت تلك السكينة نحو ما سأفعله في الأشهر القادمة، والتي تحوي كثيرًا من التجريب. أزعم بأني صاحب قرارات جريئة، ولطالما نصحتُ من حولي بالإقدام على المخاطرة لتحقيق الأحلام، مع إعطاء النفس الإذن بالخطأ والفشل، دون أن يقلّل ذلك من تقدير الذات. ويبدو من تأمّل اليوم أني كنت أحقّ الناس بتلك النصيحة، ولا عذر لي وأنا محاط بأحبّة يؤمنون بما أصنع ولا يتأخرون عن الدعم لحظة.

لا أقول بأني يجب أن «أترك القلق وأستمتع بالحياة»، وإنما أحتاج أن أدرّب نفسي على تمييز الحدّ الفاصل، والمرحلة التي يتوقّف عندها القلق ويُتّخذ القرار، فلا ينسكب تردّد الخيارات على طريق قرّرت مشيه وتحمّل عواقبه. لربما كان هناك أجيال في السابق تعاني من عدم توفر خيارات الحياة، ولكني أزعم أن حياتنا تزدحم بضجيج الخيارات، من أبسط المنتجات إلى أخطر القرارات مثل العمل والزواج، فلا عجب من الرغبة المتزايدة في أسلوب حياة التخفف (Minimalism)، كونه يعين على صفاء الذهن وتخفيف التوتر، إضافة لفوائده المادية.

خرجت لمسير المساء بهدف الاستمتاع، بغض النظر عن الوصول لمنطقة معينة كما الأيام الماضية. وعلى الرغم من عدم وجود هدف محدد، إلا أن عادة الاندفاع كانت المسيطرة وقلّلت من فرص التأمل بالطبيعة الجميلة، حيث كان المشي في الوادي وبين المزارع. أجبرت نفسي على التوقف بضع مرات، والاستمتاع بالمكان، وحتى السماح لنفسي بالجلوس، وتذكّرت حينها أن لحظتي المفضلة في رحلات المسير الجبلي (Hiking) هي استراحة الغداء، كونها تعطي الإذن بالاسترخاء والتأمل.

إطلالة مسير الجبل.

Text Link

في سادس الأيام، يبدو أني بلا وعي انجرفت بعض الشيء. بدأ من جسدي، الذي تذكّر ألم الظهر المزمن، وأصبح يشتهي الطعام بإظهار الجوع وسط اليوم، وأيضًا من إسهابي في محادثة أهل القرية وإجابة دعوات الضيافة، وهو أمر تجنبته سابقًا. ومع صحوة الجسد، أحسست بأن التأملات الروحية خفتت، إلا أن التقدّم في إنجاز المشروع مستمرّ. في نهاية اليوم، حزمت حقيبتي النفسية قبل حزم حقيبة الأغراض صباحًا، للتحول من بيت الأمبا (المانجو) إلى بيت التينة المعتزل التام على السفح الآخر للوادي، بعيدًا عن السياح والسيارات. وقد اقترحت أنت الوصول من بيت الأمبا إلى بيت التينة مشيًا عبر الوادي على حمار، إلا أني لا أملك سوى شنطة ظهرٍ أنا أحملها.

ما بين الإستعانة بالرفيق الحمار أ المشي على الأرجل لغرفة التينة.

Text Link

ومع نهاية أيام المسفاة، أتأمّل في الزمن الذي يوصف بأنه اختراع بشري لا حقيقة موضوعية له (Social Construct)، إلا أن البشر يدركون وجودهم الفردي والجماعي بناء عليه، ويقيسون به هذا الوجود. فتأمّلت من مقامي الجديد في السفح الآخر للوادي، ونظرت للقرية القديمة وطبقات المباني التي تعكس عصورًا مختلفة، صعودًا يقترب من النبع حتى يصل النظر لبقايا برج قلعة روغان، التي يقال إن الفرس بنوها قبل قرون عديدة. هل كان يتصور البناؤون أن مباني الطين والحجر ستعمّر بعدهم مئات السنين؟ أشكّ بأن كثيرًا منهم كان يدرك العمق التاريخي لتفاصيل عمله، وأن يتخيّل ما سيصنع القادمون بعده. ويبدو لي (والله أعلم) أن رتم الحياة القديمة بطيء حتى يبدو ثابتًا، ويخلو من المراحل التي تتبدّى على المدى التاريخي الطويل، أو كما نفكّر في هذا العصر بتقسيم الوقت إلى وحدات، بدلًا من معاملة أحداث الحياة كنهر سيّال.

بيوت الطين المهجورة.

Text Link

أتوقع أنه كان في العالم القديم مراحل وفصول، لكنها مستمدة من الطبيعة، مثل الليل والنهار، والفصول الأربعة، ومراحل نمو الإنسان أو انتقاله من بلد لآخر. حتى مزارع المسفاة المدرّجة على سفح الوادي يشهد بهذا الانسياب، فلا ترى بينها أي حدود واضحة، وتنعدم حولها الأسوار، كما بيوت البلدة القديمة المتصلة كمتاهة كبيرة لا تدري أين تنتهي الدار وتبدأ الأخرى، في تضاد مع القرية الجديدة ذات البيوت المستقلّة بأسوارها العالية.

في طريق العودة من المسير الصباحي، صادفت شيخًا من أهل القرية قارب الثمانين، وبعد السلام والتحايا، ألقيت عليه سؤالًا عن سبب حبّنا للنخلة وكونها أكثر الأشجار، على الرغم من خصوبة أرضهم التي تنتج العديد من الفواكه. قال الشيخ: «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، صدى لحكمة السنين وقوة التراث التي تنساب كالنهر الذي يبدو لأعيننا ثابتًا، ولكنه يتغيّر ويتأقلم مع البيئة ببطء شديد.

شجرة النخلة.

Text Link

تصفح المزيد من أعداد سنين نامان