الوصف

سنين نامان، العدد 24

مرحبًا بكم في العدد 24 من سنين نامان!
كثيرًا ما نُفتن بوصف شخصٍ ما بأنه «ملتزم» أو «مواظب»، كأنّه بلغ النهاية، بينما الحقيقة أن الطريق لا يتوقّف. هذه العقلية تُبقينا في حالة وعيٍ دائم، وتحمينا من الاغترار بأنفسنا حين ننجح لفترة، فنعود كل يوم إلى الفعل ذاته: الكَدّ، وترك الراحة.
كانت لحظة الاستيقاظ الأولى مختلفة. أصوات أقدامٍ تتحرك، وخزائن تُفتح وتُغلق. فتحتُ عينيّ ببطء، ما تزال السماء مظلمة والهواء باردًا يحمل رائحة العشب الرطب. نظرتُ إلى السقف أحاول تذكّر أين أنا، قبل أن أستوعب أنني في بيتٍ خشبي بسيط يشبه الأرض التي يحتضنه. في الصباح الأول، لم أشارك الأخريات ترتيب المكان، جلستُ أراقبهن وهن يطوين الفُرش بدقّة وهدوء، وكأن كل واحدةٍ تعرف دورها دون أن يُقال شيء. كنتُ أتابع المشهد بصمتٍ، أبحث عن إيقاعي بين إيقاعاتهن، كأنني شاهدة على طقسٍ لا أنتمي إليه بعد. في داخلي شعورٌ خفيّ بالضياع، بمحاولة اللحاق بهذا النظام الهادئ دون أن أعرف من أين أبدأ. لم أكن خائفة، لكن شيئًا في الأجواء كان أكبر من قدرتي على الفهم السريع، مزيجٌ من الصمت والانتظام والجدّية جعلني أستشعر أنني أمام عالمٍ مختلفٍ تمامًا عن عالمي.
في الخارج، كانت الجبال مغطّاة بطبقة خفيفة من الضباب. خرجنا في مسير الصباح الصامت، بخطواتٍ متأنية لم نتبادل فيها أي كلمات. كنا في تناغمٍ تام مع أصوات الطبيعة: حفيف الأشجار، زقزقة العصافير، وصوت تكسّر أوراق الخريف اليابسة تحت أقدامنا. كان الصمت في تلك اللحظة أبلغ من الكلام، كأنه مساحة لحديثٍ عميقٍ بلا حروف. لم ألتقط صورًا، ولم أكتب شيئًا في مفكرتي، لكنني كنت أدوّن بعينيّ كل ما أراه: الأشجار، الجبال، البيوت الخشبية القديمة، خيوط العناكب المضيئة تحت الشمس، وبيتٌ طيني بلون الأرض يذكّرني ببيوت الأحساء القديمة. هناك فهمت أن التوثيق ليس فقط بالكاميرا، بل بالذاكرة، وأن بعض المشاهد تُحفر في الداخل أوضح من أي صورة.

مشاهد من مسير الصباح في معسكر الريف الياباني.
Text Linkفي المطبخ، كانت التجربة مختلفة تمامًا. اجتمعنا لإعداد وجبة الإفطار، وكان الاتفاق أن نعمل بصمتٍ تام، بلا تبادلٍ للكلمات. في البداية بدا الأمر غريبًا، ثم صار الصمت لغةً أخرى، لغةً خفية تفهمها الأرواح قبل العقول. كانت البساطة هي سيدة الموقف: خطوات قليلة، عيون تراقب، وأيادٍ تتناوب على التقطيع والخلط والتقديم. لا أوامر ولا نقاشات، فقط انسجامٌ صامت بيننا جميعًا. وأثناء إعداد الطعام، لمستُ شيئًا جديدًا في داخلي: أن الصمت لا يعني الفراغ، بل الامتلاء — امتلاء بالحواس التي تُصغي حين تخفت الضوضاء، وامتلاء بالقلب الذي يهدأ حين لا تشتته الكلمات. حين جلسنا لتناول الإفطار، شعرتُ أن الطعم مختلف، كأن الصمت أضاف نكهةً خفية يصعب وصفها بالكلمات، ربما نكهة الامتنان أو البساطة التي تذكّرنا بأن القليل يكفي.

فريق الغذاء في حركةٍ منسابة لتحضير وجبة الغداء.
Text Linkفي اليوم الثالث، بدأتُ أشعر بما يشبه الفراغ. لم يكن الجبل أقل جمالًا، ولا الطبيعة أقل سحرًا، لكن شيئًا في داخلي كان يتململ. أصوات المدينة وصخبها، شاشات الهاتف، الاعتياد على السرعة والامتلاء المستمر... كلها غابت فجأة. لا أخبار، لا رسائل، لا إشعارات. الأعراض الانسحابية ظهرت بوضوح: إحساسٌ بالملل يزحف ببطء، ارتباكٌ داخلي أمام وقتٍ فارغٍ لم أعتد عليه، ورغبةٌ في الانشغال بأي شيء لأهرب من مواجهة نفسي. كنت أفتقد تلك «المخدرات الصغيرة» التي نُسكّن بها قلقنا اليومي: كوب القهوة، ضغطة الزر، ضجيج الأخبار، والحديث العابر. لكن وسط هذا الصمت ظهرت هشاشتي الحقيقية، تلك الطبقة الرقيقة التي تغطي ما نخفيه عادةً تحت انشغالاتنا. ومعها تسرّبت لحظة وعيٍ صغيرة: أن الانسحاب ليس مرضًا، بل مساحةٌ لتنظيف الداخل. وأن مواجهة الذات، وإن كانت مؤلمة، هي الطريق الحقيقي نحو الصفاء.
في ناغانو، بعيدًا عن ضوضاء المدن، بدا التواضع ليس مجرد قيمةٍ أخلاقية، بل حالةً وجودية. الجبال شامخة لكنها صامتة، الأشجار عملاقة لكنها تنحني للريح، والأنهار تجري بقوةٍ دون أن تصرخ. كتبت على ورقةٍ بيضاء بخطٍ كبير: Humble yourself. فهي ليست دعوةً للانكسار، بل للانفتاح على عظمة الكون بلا غرور. لم أشعر بالتواضع فقط أمام الطبيعة، بل أمام نفسي أيضًا، حين بدأت أمارس أعمالًا صغيرة لم أكن أعتادها: إشعال النار، الطبخ، الكنس، وأكل أطعمةٍ لا أحبها. التواضع في تلك اللحظة لم يكن درسًا، بل تمرينًا على كسر الأنا التي اعتادت الرفاهية، وعلى قبول ما هو حاضر كما هو.
كتبت في نهاية دفتري: الرحلة لا الوجهة.
فالقيمة ليست في الوصول، بل في الطريق.
المعنى الحقيقي ليس في أين ننتهي، بل في كيف نعيش الطريق.

نُزل معسكر الريف الياباني.
Text Link«الجوعُ إذا ساعدته القناعة، فهو مزرعة الفكر، وينبوع الحكمة، وحياة الفطنة، ومصباح القلب.»
كُتبت هذه الحكمة في القرن الرابع الهجري (ما بين 900 و1000 ميلادي)، فلك أن تتخيّل كيف أن هؤلاء قالوا جواهر بسيطة، وهي باقية وضرورية. والعجيب أن ضرورتها تزداد مع مرّ الزمان، ولم تكن محصورة في ذلك الزمن.
تعقيب:
لا شك أن الجوع ومتعة الطعام، من الخارج، يبدوان أمرين سهلين في التقليل أو الامتناع. لكن على أرض الواقع، الأمر عسير. أحيانًا تُقنع نفسك بأن تمتنع عن الطعام في الصباح، وتقول: لن آكل إلا عند ساعةٍ محددة، طلبًا للتخفف.لكن حين يحين الوقت، تأكل أكثر مما لو قسمت طعامك من البداية.وحتى إن نجحت في التخفف، لا تلبث إلا أيامًا قليلة، ثم تعود العادة.
لذلك ذكر الجوع في كلام الحكماء، لا على أنه حرمان، بل بوصفه نوعًا من التهذيب اللطيف، يساعد على الانتباه، ويخفّف من الاندفاع، ويعلّم الاكتفاء. فالمقصود ليس قلّة الطعام بحد ذاتها، وإنما أن يأكل الإنسان بوعي، ويترك وهو لا يزال قادرًا على الترك. بهذا المعنى تبقى هذه الحكمة حيّة وقريبة، لا تثقل على النفس، ولا تصادم طبيعتها، بل تذكّرها بلطف بأن الاعتدال أدوم من الشدّة، وأن القليل المنتظم أنفع من الكثير المنقطع.
نسأل الله أن يعيننا على هذه الخصلة، ولو بالقليل وبالتدرّج.
